
بقلم : داليا العطار
لُقب “تحتمس الثالث” بلقب “تحتمس العظيم”، كما وصفه المؤرخ “ريتشارد غابرييل” بانه “نابوليون مصر”، وهو الفرعون الخامس من الاسرة الثامنة عشر في “مصر” القديمة، ويعد “تحتمس الثالث” من أبرز الفاتحين في عهد الدولة الحديثة، حيث حكم البلاد في عمر الثانية من عمره حكماً مشتركاً مع زوجة ابيه وعمته الملكة “حتشبسوس” حتى توفيت عام (١٤٥٨ ق.م.)، ومنذ هذا التاريخ أصبح هو الملك الوحيد ل “مصر”.
اتبعت الملكة “حتشبسوت” سياسة بسط النفوذ المصري عن طريق ارسال الحملات البحرية الي بلاد “بونت”، وهي حسب تقدير العلماء بلاد سواحل البحر الأحمر “الصومال واريتريا و جيبوتي و وأجزاء من السودان الشرقي” الي جانب سواحل “لبنان”، وذلك لتنشيط التجارة مع تلك المناطق التي تحتوي علي خيرات وبخور استخدمها الفراعنة في المعابد، وعندما اعتلي الملك “تحتمس الثالث” العرش منفردا بعد وفاة “حتشبسوت” استكمل سياسة السيطرة علي تلك المناطق لتأمين حدود البلاد، فقام بشن ستة عشر حملة عسكرية علي “آسيا” (سوريا وفلسطين) حتي استطاعت “مصر” بسط نفوذها حتي بلاد “النوبة” جنوباً.
لم يكن بسط النفوذ المصري بالأمر اليسير علي الملك الشاب، فقد كَون امير مدينة “قادش” في “سوريا” جبهة ضد “مصر” مكونة من ثلاثة وعشرين جيشاً من امراء البلاد الاسيوية ظناً منهم ان “تحتمس الثالث” سوف يدعم دفاعاته على الحدود المصرية في “سيناء”، الا ان “تحتمس” قرر الذهاب بجيوشه لمواجهتهم في أراضيهم ضمن خطة توسيع الإمبراطورية المصرية وتأمين حدودها.
قام “تحتمس الثالث” بتدريب الجنود وامدهم بأسلحة قوية، وتوسع في استخدام العربات في القتال، كما استخدم تكتيكات عسكرية ومناورات لم تكن معروفه في فنون القتال من قبل، حيث ظهرت قدرته القتالية جلياً خلال معركة “مجدو” عام (١٤٥٨ ق.م.)، عندما قاد جيشه من “القنطرة” (على قناة السويس حاليا)
متجهاً الي “غزة” ثم الي سفح جبل “الكرمل” شمال “فلسطين”، وعلى الجانب الاخر عسكر امير “قادش” مع جيوش مئتان وثلاثون اميراً بمدينة “مجدو”.
قامت قوات امير “قادش” وحلفاءه بالتمركز عند نهاية طريقين فسيحين يدوران حول سفح جبل “الكرمل” يؤديان الي مدينة “مجدو”، وذلك ظناً منهم بهجوم الجيش المصري من أحدهما او كلاهما، في حين هاجمت قوات “تحتمس الثالث” المدينة هجوماً كاسحاً مستخدمةً الممر الضيق الذي يصل مباشرةً الي “مجدو”، فكانت المفاجأة التي افقدت الجيوش توازنها وجعلتها في حالة فوضي، فبدأت قادة الجيوش في الهرب تاركين وراءهم العربات والمعسكرات المملوءة بالغنائم وتحصنوا بالمدينة، مما اضطر “الملك “تحتمس الثالث” الي حصار “مجدو” سبعة اشهر حتي استسلم الامراء وارسلوا أبنائهم حاملين الأسلحة لتسليمها الي الملك، وقد سجل كتبة “تحتمس الثالث” احداث المعركة بدقة علي جدران الاعمدة في معبد الكرنك ب “الأقصر”.
لم يكتفي “تحتمس الثالث” بما حققه من نصر باهر في تلك المعركة، بل سار على درب جدة الملك “تحتمس الأول” الذي قاد حملة عسكرية على “سوريا” خلال الفترة (١٤٩٢ – ١٥٠٤ ق.م.)،حيثشكلت مملكة “ميتاني” قوة عظمي في شمال “سوريا” وبلاد الرافدين، وبعد انتصار “تحتمس الثالث” في معركة “مجدو” بقي الخطر الأكبر هو “ميتاني”، حيث كانت تدعم المتمردين ضد “مصر”، كما لاحظ “تحتمس الثالث” عودة بعض امراء “سوريا” للتعامل سراً مع ملك “ميتاني”، فرأي ان تثبيت النفوذ المصري يحتاج الي ضربة مباشرة الي قلب “ميتاني”.
قام “تحتمس الثالث” بتوجيه عدة حملات متتالية للسيطرة على الساحل السوري وقطع خطوط دعم “ميتاني”، واستطاع خلال حملته الثامنة الوصول الي نهر الفرات محققاً بذلك انجازاً عسكرياً غير مسبوق، وحقق الهدف المرجو، الا وهو توجيه ضربة عسكرية لإرهاب “ميتاني” واضعاف قدرتها على دعم الثورات.
تحسنت العلاقات الميتانية المصرية بعد عدة عقود، وذلك في عهد “تحتمس الرابع وأمنحتب الثالث”، وتحولت “ميتاني” من عدو خطير الي حليف ل “مصر”، وقد ظهر ذلك جلياً من خلال الزيجات المتبادلة بين ملوك “مصر” وبنات امراء “سوريا”.
لم يكتف “تحتمس الثالث” الذي المُلقب ب “نابليون الشرق القديم” بتأمين البلاد وغزو بلاد الجوار لمنع هجومهم علي “مصر” فحسب، بل اهتم بشؤون إدارة تلك البلاد التي تمتد من حدود “العراق” وشمال “سوريا” الي مجري نهر النيل في وسط “السودان”، ونصب لكل من تلك البلاد واليا من “مصر” الي جانب الموظفون والاداريون والكتبة، وكان الوالي مسؤولا عن تموين القوات المصرية القائمة هناك، وكذلك جمع الجزية من السكان، وكان الوالي رئيسا لأمراء تلك البلاد، كما كان يقوم بإخماد حركات التمرد بواسطة القوات المصرية الموجودة هناك، وقد اظهر “تحتمس الثالث” براعته السياسية في إدارة البلاد الي جانب اهتمامه بالجانب العسكري، فقد استدعي أبناء امراء الأقاليم الاسيوية الي “طيبة” عاصمة “مصر” في ذلك الوقت كي يتعلموا في مدارسها، وذلك حتي يضمن ولاءهم عند عودتهم الي بلادهم وتوليهم الحكم فيها.
اهتم الملك “تحتمس الثالث” ببناء المعابد، كما قام ببناء البوابات العملاقة وقاعة الاحتفالات في معبد “الكرنك”، الي جانب العديد من المسلات الموجودة حاليا في عدد من عواصم العالم.
وهكذا استطاع أعظم قائد عسكري في تاريخ “مصر” القديمة من بناء أقدم امبراطورية في التاريخ، امتدت الي نهر “الفرات وسوريا” شرقاً والي “ليبيا” غرباً والي سواحل “فينيقيا و قبرص” شمالاً والي منابع النيل جنوباً.